صديق الحسيني القنوجي البخاري
281
فتح البيان في مقاصد القرآن
المعنى جمع بينهما في ذهاب نورهما ، وقيل جمع بينهما في طلوعهما من المغرب أسودين مكورين مظلمين . قال عطاء : يجمع بينهما يوم القيامة ثم يقذفان في البحر فيكونان نار اللّه الكبرى ، وقيل يجمع الشمس والقمر فلا يكون هناك تعاقب ليل ونهار ، وقرأ ابن مسعود وجمع بين الشمس والقمر . يَقُولُ الْإِنْسانُ جواب إذا يَوْمَئِذٍ أي يوم إذا برق البصر الخ أَيْنَ الْمَفَرُّ أي يقول عند وقوع هذه الأمور أين الفرار ، والمراد بالإنسان الكافر أو المؤمن أيضا يقول ذلك من الهول ، والمفر مصدر بمعنى الفرار ، قال الفراء : يجوز أن يكون موضع الفرار . قال الماوردي يحتمل وجهين ( أحدهما ) أين المفر من اللّه سبحانه استحياء منه ( والثاني ) أين المفر من جهنم حذرا منها ، قرأ الجمهور بفتح الميم والفاء مصدرا كما تقدم ، وقرىء بضم الميم على أنه اسم مكان أي أين مكان الفرار وقال الكسائي هما لغتان مثل مذب ومذب ومصح ومصح ، وقرأ الزهري بكسر الميم وفتح الفاء على أن المراد به الإنسان الجيد الفرار . كَلَّا للردع عن طلب الفرار أو لنفي ما قبلها أو بمعنى حقا لا وَزَرَ أي لا سلاح ولا جبل ولا حصن ولا ملجأ يتحصن به من اللّه ، وقال ابن جبير لا محيص ولا منعة ، والوزر في اللغة ما يلجأ إليه الإنسان من حصن أو جبل وغيرهما ، مني يومئذ ، قال ابن مسعود : لا وَزَرَ لا حصن ، وقال ابن عباس : لا ملجأ وفي لفظ لا حرز وفي لفظ لا جبل ولا حصن ، وخبر لا محذوف أي لا وزر له . إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ أي إليه المرجع والمنتهى والمصير لا إلى غيره ، وقيل إليه الحكم بين العباد لا إلى غيره ، وقيل : المستقر الاستقرار حيث يقره اللّه من جنة أو نار . يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ أي يخبر يوم القيامة بما عمل من خير وشر ، وقال قتادة : بما عمل من طاعة اللّه وما أخر من طاعته فلم يعمل بها ، وقال زيد بن أسلم : بما قدم من أمواله وما خلف للورثة ، وقال مجاهد : بأول عمله وآخره ، وقال الضحاك : بما قدم من فرض وأخر من فرض . قال القشيري : هذا الإنباء يكون يوم القيامة عند وزن الأعمال ، ويجوز أن يكون عند الموت ، قال القرطبي : والأول أظهر ، قال ابن مسعود : بما قدم من عمل وأخر من سنة عمل بها من بعده من خير أو شر ، وعن ابن عباس نحوه ، وعنه قال : بما قدم من معصية وآخر من طاعة فينبا بذلك . بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ قال الأخفش جعله هو البصيرة كما تقول للرجل أنت حجة على نفسك ، وقيل المعنى أن جوارحه تشهد عليه بما عمل كما في قوله : يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ [ النور : 24 ]